الخطيب الشربيني
450
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الجبهة والأنف والركبتان واليدان والقدمان وهو قول سعيد بن المسيب ، وابن حبيب . والمعنى : أنّ هذه الأعضاء أنعم الله تعالى بها عليك فلا تسجد لغيره فتجحد نعمة الله . قال عطاء : مساجدك أعضاؤك التي أمرت بالسجود عليها لا تذللها لغير خالقها ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « أمرت أن أسجد على سبعة أعظم » « 1 » وذكر الحديث . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب » « 2 » . قال ابن الأثير : الآراب الأعضاء . وهذا القول اختاره ابن الأنباري . وقيل : بل جمع مسجد وهو مصدر بمعنى السجود ويكون الجمع لاختلاف الأنواع . وقال القرطبي : المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة قال سعيد بن جبير : قالت الجنّ : كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك ؟ فنزلت وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ أي : بنيت لذكر الله تعالى وطاعته . وقال ابن عباس : المساجد هنا مكة التي هي القبلة وسميت مكة مساجد لأنّ كل أحد يسجد إليها . قال القرطبي : والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء الله تعالى وهو مروي عن ابن عباس ، وإضافة المساجد إلى الله تعالى إضافة تشريف وتكريم وخص منها المسجد العتيق بالذكر فقال تعالى وَطَهِّرْ بَيْتِيَ [ الحج : 26 ] وهي وإن كانت لله ملكا وتشريفا قد تنسب إلى غيره تعريفا قال صلى اللّه عليه وسلم : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » « 3 » وفي رواية : « إن صلاة فيه خير من مائة صلاة في مسجدي هذا » « 4 » . قال القرطبي : وهذا حديث صحيح . وفي حديث سابق صلى اللّه عليه وسلم بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق « 5 » ، ويقال مسجد فلان لأنه حبسه ولا خلاف بين الأمّة في تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك . فَلا تَدْعُوا أي : فلا تعبدوا أيها المخلوقون مَعَ اللَّهِ الذي له جميع العظمة أَحَداً وهذا توبيخ للمشركين في دعواهم مع الله تعالى غيره في المسجد الحرام ، وقال مجاهد : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها يقول : فلا تشركوا فيها صنما أو غيره مما يعبد ، وقيل : المعنى أفردوا المساجد لذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيبا وفي الصحيح : « من نشد ضالة في المسجد فقولوا : لا ردّها الله عليك ، فإنّ المساجد لم تبن لهذا » « 6 » وقال الحسن : من السنة إذا دخل رجل المسجد أن يقول لا إله إلا الله ؛ لأنّ قوله تعالى : فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان حديث 812 ، ومسلم في الصلاة حديث 490 ، والترمذي في الصلاة حديث 273 ، والنسائي في التطبيق حديث 1097 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 883 ، والدارمي في الصلاة حديث 1319 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 890 ، والترمذي في الصلاة حديث 272 ، والنسائي في التطبيق حديث 1094 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 885 ، وأحمد في المسند 1 / 206 ، 208 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الجمعة حديث 1190 ، ومسلم في الحج حديث 1394 ، والترمذي في الصلاة حديث 325 ، والنسائي في المناسك حديث 2898 ، وابن ماجة في الإقامة حديث 1404 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 184 ، 2 / 256 ، 277 ، 416 ، 484 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الصلاة حديث 421 . ( 6 ) أخرجه مسلم في المساجد حديث 568 ، وابن ماجة في المساجد حديث 767 .